mercredi 30 novembre 2016

الأنثروبولوجيا العامة

-خلاصة-
تعدّدت الدراسات والاتجاهات التي تناولت الأنثروبولوجيا، في الآونة الأخيرة، بوصفها علماً حديث العهد، على الرغم من مرور ما يقرب من القرن وربع القرن  على نشأة هذا العلم.

لقد اتّسعت مجالات البحث والدراسة في هذا  العلم الجديد، وتداخلت موضوعاته مع موضوعات بعض العلوم الأخرى، ولا سيّما علوم الأحياء  والاجتماع والفلسفة. كما تعدّدت  مناهجه النظرية والتطبيقية، تبعاً لتعدّد تخصّصاته ومجالاته، ولا سيّما في المرحلة الأخيرة حيث التغيرات الكبيرة والمتسارعة، التي  كان لها آثار واضحة في حياة البشر كأفراد و كمجتمعات .

وبما أنّ الأنثروبولوجيا تهتمّ بدراسة الإنسان، شأنها في ذلك شأن العلوم الإنسانية الأخرى، فهي ترتبط ارتباطاً  وثيقاً بالمجتمع الإنساني الذي توجد فيه، حيث تعكس  بنيته الأساسية والقيم السائدة فيه، وتخدم بالتالي مصالحه في التحسين والتطوير .

ثمّة من يردّ بدايات تاريخ الأنثروبولوجيا إلى العصور القديمة، إلاّ أنّ الأنثروبولوجيين الغربيين، ولا سيّما الأوروبيون، يرون أنّ الأصول النظرية الأساسية لعلم الأنثروبولوجيا، ظهرت إبّان عصر التنوير في أوروبا (عصر النهضة الأوروبية )، حيث تمّت كشوفات جغرافية وثقافية لا يستهان بها، لبلاد ومجتمعات مختلفة خارج القارة الأوربية .

وقد قدّمت هذه الكشوفات معلومات هامة عن الشعوب  القاطنة في تلك البلاد، أدّت إلى تغيّرات جذرية في الاتجاهات الفلسفية السائدة آنذاك، عن حياة البشر وطبيعة المجتمعات الإنسانية وثقافاتها وتطوّرها. وهذا ما أدّى بالتالي إلى تطوير المعرفة الأنثروبولوجيّة، واستقلالها فيما بعد عن دائرة الفلسفة الاجتماعية .

لقد انحسرت الفلسفة – إلى حدّ ما – في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أمام التفكير العلمي، حيث تطوّرت العلوم الاجتماعية واستطاع العالم البريطاني / إدوارد تايلورE. Tylor / أن يرى في تنوّع أساليب حياة الشعوب وتطوّرها، ظاهرة جديرة بالدراسة، وأنّ  علماّ جديداً  يجب أن ينشأ ويقوم بهذه المهمّة. وسمّى تايلور هذه الظاهرة بـ" الثقافة Culture أو الحضارة  Civilization " .


ومع دخول الأنثروبولوجيا  مجال القرن العشرين، بأحداثه وتغيّراته العلمية والاجتماعية والسياسية،  طرأت عليها تغيّرات جوهرية في موضوعها ومنهج دراستها، حيث تخلّت عن المنهج النظري وأخذت بالمنهج التطبيقي باعتبارها ظاهرة علميّة، إضافة إلى تحديد علاقة التأثير والتأثّر  بينها وبين منظومة العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى. حيث أصبحت النظرة الشاملة تميّز المنهج الأنثروبولوجي، الذي يتطلّب دراسة أي موضوع – مهما كانت طبيعته وأهدافه- دراسة كليّة متكاملة، تحيط بأبعاده المختلفة، وبتلك التفاعلات المتبادلة بين أبعاد هذا الموضوع وجوانب الحياة الأخرى السائدة في المجتمع  .

و من فروع الانثروبولوجيا:

الانثروبولوجيا العضوية (الطبيعية).
تعرّف بوجه عام، بأنّها العلم الذي يبحث في شكل الإنسان من حيث سماته العضوية، والتغيّرات التي تطرأ عليها بفعل المورّثات. كما يبحث في السلالات الإنسانية، من حيث الأنواع البشرية وخصائصها، بمعزل عن ثقافة كلّ منها.  وهذا يعني أنّ الأنثروبولوجيا العضوية، تتركّز حول دراسة الإنسان / الفرد بوصفه نتاجاً لعملية عضوية، ومن ثمّ دراسة التجمعّات البشرية / السكانية، وتحليل خصائصها.

الانثروبولوجيا الثقافية.
تعرّف الأنثروبولوجيا الثقافية -بوجه عام - بأنّها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع لـه ثقافة معيّنة. وعلى هذا الإنسان أن يمارس سلوكاً  يتوافق مع سلوك الأفراد في  المجتمع (الجماعة) المحيط به،  يتحلّى بقيمه وعاداته ويدين بنظامه ويتحدّث بلغة قومه .
 ولذلك، فإنّ الأنثروبولوجيا الثقافية :هي ذلك العلم الذي يهتمّ بدراسة الثقافة الإنسانية، ويعنى بدراسة أساليب حياة الإنسان وسلوكاته النابعة من ثقافته. وهي تدرس الشعوب القديمة، كما تدرس الشعوب المعاصرة.

الانثروبولوجيا الاجتماعية.
تعرّف الأنثروبولوجيا الاجتماعية بأنّها : دراسة السلوك الاجتماعي الذي يتّخذ في العادة شكل نظم اجتماعية كالعائلة، ونسق القرابة، والتنظيم السياسي، والإجراءات القانونية، والعبادات الدينية، وغيرها. كما تدرس العلاقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات المعاصرة أو في المجتمعات التاريخية، التي يوجد لدينا عنها معلومات مناسبة من هذا النوع، يمكن معها القيام بمثل هذه الدراسات.
ولذلك، فمن الضروري في دراسة الإنسان وأعماله، أن نميّز بين عبارة " ثقافة " وعبارة " مجتمع " المرافقة لها. فالثقافة – كما في تعريفاتها – هي طريقة حياة شعب ما، أمّا المجتمع  فهو تكتّل منظّم لعدد من الأفراد، يتفاعلون فيما بينهم ويتبعون طريقة حياة معيّنة .. وبعبارة أبسط : المجتمع مؤلّف من أناس، وطريقة سلوكهم هي ثقافتهم .

بعد هذه الدراسة التحليلية للأنثروبولوجيا توصلنا إلى مجموعة من الاستنتاجات التي يمكن إيجازها في ما يلي:
1.      إن الأنثروبولوجيا لم تولد و لم تتشكل دفعة واحدة، بل هي تراكم متواصل و مستمر من المعارف الإنسانية المختلفة.
2.    بالرغم من إن الأنثروبولوجيا احتفظت بالتعريف نفسه إلا أن موضوعاتها اختلفت و تميزت بحسب العصور ووفاقا للموضوعات المدروسة و المعالجة.
3.     إن الأنثروبولوجيا ليست علما مستقلا، بل هي تداخل بين عدة علوم و معارف.
4.     و هذا ما نتج عنه الكثير من الفروع الأنثروبولوجية، كالانثروبولوجيا العضوية، الثقافية، الاجتماعية ........
5.     إن هذه الفروع بدورها تؤسس الكثير من المدارس الأنثروبولوجية كالمدرسة البنيوية، الانتشارية، الوظيفية، و البنائية الوظيفية، التطورية و الاجتماعية الثقافية.
6.     و مما زاد من حيوية الانثروبولوجيا و دقتها هو اعتمادها على البحث الميداني أو الحقلي كأداة لإثبات صحة نظرياتها.


جنوح الأحداث

-خلاصة-
الطفل أو الصبي أو الحدث و هو باختصار الإنسان الصغير السن و في طور النمو أي في المرحلة الأولى من حياته، يمثل بالنسبة لأسرته و مجتمعه أمل المستقبل ويشكل اللبنة الأساسية الأولى لبناء المجتمع ، و من هذا المنطلق فإن المجتمع المستقبلي سيكون حتما عبارة عن صورة طبق الأصل لشباب و أطفال اليوم و يتخذ نفس المميزات التي يتميزون بها، فإذا تم الاعتماد في بنائه على عناصر سليمة أي أطفال أسوياء ومتخلقين فإن النتيجة ستكون رجال و نساء ذوي شخصيات قوية و متينة لا تهدمها أشد الصعاب فهم يشكلون مجتمع تحترم فيه كل القواعد و التنظيمات و تسود فيه القيم والضوابط الأخلاقية ، أما إذا تم الاعتماد منذ البداية على أطفال منحرفين بمعنى مجرمين صغار فإن النتيجة عبارة عن رجال و نساء ذوي شخصيات مشوشة و ضعيفة و بالتالي مجتمع مشكل من محترفي الإجرام و لا مكانة فيه لاحترام أدنى الضوابط التي تحكم المعاملات بين أفراده.
لذلك يجدر إبلاء الأهمية القصوى و العناية البالغة لهذه اللبنة خاصة من طرف المشرع قصد وضعها على الطريق السوي و حمايتها من عواقب الانحراف للوصول بها إلى الغاية التي ينشدها المواطن بصفة خاصة و المجتمع بصفة عامة.
و الحماية التي يضفيها المشرع على الحدث تقوم على عدة جوانب ، يتعلق البعض منها بالاعتناء بحداثة الطفل نظرا لجهله بالحياة و ضعف إدراكه بالمسؤوليــة  و يتعلق البعض الآخر منها بالعقاب الجزائي نظرا لأثره الضار على نفسية الحدث وإمكانية مساهمته في تعميق جذور الانحراف و الإجرام لديه بدل تقويم سلوكه ، بينما يتعلق جانب آخر منها بتحديد المسؤول الحقيقي عن انحراف الحدث هل هو أبوه أم أسرته أم المجتمع بأكمله وذلك على أساس افتراض أن كل انحراف للطفل لا ينتج بالضرورة عن عوامل نفسية أو عضوية خاصة به أو إلى تكوينه الخلقي أو العاطفي و إنما يرجع في الغالب إلى عوامل خارجية تحيط به و تؤثر فيه بسهولة مقارنة مع تأثيرها على الكبار كما تقوم حماية المشرع للحدث على جوانب أخرى تتعلق بضرورة تحقيق حد أدنى من التساهل أو بعبارة أخرى من التسامح الذي يجب أن يعامل به الحدث في حالة جنوحه وهذا مقارنة طبعا مع معاملة الشخص البالغ ، لكي يحقق الإجراء المتخذ معه الأثر المتوخى منه من حيث تقويم سلوكه و تصحيح اتجاهه الخاطئ ، و هنا تطرح مسألة التمييز بين المعاملة الخاصة التي يحضى بها الحدث الجانح و ما هي جملة الإجراءات التي خصه بها المشرع و ما المغزى منها و ما مدى جدواها .

و من أهم عوامل جنوح الأحداث :
الخلفيات العائلية
1.      هجرة و أنماط حركة العائلة:
2.    البنية العائلية و الأنماط السلوك:
نظرا إلى تعقد العلاقة بين البنية العائلية, التمدن و السلوك الإجرامي, فإننا قسمنا نتائج إلى عدة فروع:
ü حجم العائلة:
ü العائلة المتصدعة:
ü السلوك الأبوي و علاقته بجنوح الأحداث:
-         المستوى التعليمي للآباء
-         تأديب الأبناء
-         الرقابة الأبوية
-         التماسك العائلي
-         السلوك الديني للآباء
-         شرب الخمر من طرف الآباء
-         جنوح العائلة
3.     الظروف السكنية

الحياة الاجتماعية
1.    التعليم:
2.    وسائل الترفيه:
3.    العادات الاجتماعية:
-         عادات التدخين
-         عادة شرب الخمر
-         عادة القمار
-         النشاط الجنسي
 إن أفضل علاج لظاهرة الجنوح ليس تلك التدابير و الإجراءات التي تتخذ ضد الحدث الجانح بعد إتيانه للسلوك الجانح أو عند تواجده في حالة الخطر المعنوي و الاجتماعي وإنما هو الوقاية الأولى من هذه الظاهرة قبل لمنع تهيئة الظروف المساعدة على الوقوع فيها ، و بالتالي فإن الوقاية تحقق نتيجتين في آن واحد : أولا تفادي وصول الأطفال إلى مرحلة الجنوح و ثانيا تجنب البحث عن الحلول و الإجراءات العلاجية للجنوح في حالة الوقوع فيه.
إن صلاح النشء و فعاليته يتوقفان بدرجة كبيرة على مدى حسن الرعاية و التربية السليمة في المراحل الأولى له أي في مرحلة الطفولة ، لأنه في حالة العكس فإن الشباب قد ينقلب إلى عامل هدم و اضطراب و يشكل عبئا ثقيلا على المجتمع  فالتربية والرعاية ضرورة فردية و اجتماعية في نفس الوقت.
إن رعاية الشباب لا بد أن تشمل جميع الظروف و العوامل و العمليات والخدمات التي تهيئها أو تقوم بها مؤسسات الرعاية و التربية بهدف صقل مواهبهم وتنمية استعداداتهم من أجل إعداده للمسؤوليات الاجتماعية و الوطنية .
إن الرعاية على الشكل الصحيح لا يمكن أن تتم إلا بالاعتماد على الدراسات العلمية التي تمكن من التعرف على احتياجات الشباب و مشكلاته، و حتى تكون مثمرة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الخصائص و الصفات البارزة لهذه الفئة و توظيفها لتكون خادمة لأهداف المجتمع و متماشية مع قيمه.
إن الطرف الأول المعني برعاية الأطفال و الشباب هو الأسرة و بالتالي يجب توعيتها و رعايتها بدورها و تدعيمها و مساعدة الفقيرة منها لتأمين أحسن الظروف لتنشئة أطفالها، و هذا من منطلق أن جنوح الأحداث في الجزائر هو جنوح عوز واحتياج لأنه مرتبط في غالب الأحيان بالعوامل الاجتماعية و الاقتصادية حيث أثبتت الإحصائيات أن أعلى نسب الجرائم المرتكبة تتعلق بالسرقة و أن أغلب الأحداث الجانحين منحدرين من أسر فقيرة و بالتالي فإن هؤلاء ليسوا مجرمين بل يعتبرون ضحايا للظروف السابق ذكرها.
إن دور الأسرة لا يكتمل إلا بتضافر أدوار الأطراف الأخرى كوسائل الإعلام و المدرسة و غيرهما التي يجب أن تؤدي دورها كذلك في تربية النشء تربية سليمة من خلال محاربة مخاطر التصدع و الانحلال و تأثيرها على كيان الأسرة.
و لا يمكن تجاهل دور الدولة في هذا المجال ، فهي مطالبة في إطار العمل الوقائي المسبق من الجنوح بأن تجد الحلول لظاهرة انتشار البيوت القصديرية ، الحد من ظاهرة النزوح الريفي بتوفير شروط الحياة الكريمة في الأرياف و هذا من خلال الاعتماد على برامج تنموية تأخذ في الحسبان هذا الجانب.
من خلال ما سبق و في الأخير نشير أن ظاهرة جنوح الأحداث هي نتاج العوامل المشار إليها و التي تعتبر عوامل مهيئة للوقوع في الظاهرة وليست أسباب مباشرة لها ، و بالتالي فإن معالجة هذه الظاهرة قبل أن تكون من دور الشرطة و قضاء الأحداث فهي بالدرجة الأولى مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف التي ينشأ الطفل في وسطها بدءا من الأسرة مرورا بالمدرسة و المحيط الاجتماعي وصولا إلى السلطات لأن قيام كل طرف بدوره على أكمل وجه من شأنه أن يقلص من حجم الظاهرة إن لم نقل الحد منها نهائيا.