-خلاصة-
تعدّدت الدراسات والاتجاهات
التي تناولت الأنثروبولوجيا، في الآونة الأخيرة، بوصفها علماً حديث العهد، على
الرغم من مرور ما يقرب من القرن وربع القرن
على نشأة هذا العلم.
لقد اتّسعت مجالات البحث
والدراسة في هذا العلم الجديد، وتداخلت
موضوعاته مع موضوعات بعض العلوم الأخرى، ولا سيّما علوم الأحياء والاجتماع والفلسفة. كما تعدّدت مناهجه النظرية والتطبيقية، تبعاً لتعدّد
تخصّصاته ومجالاته، ولا سيّما في المرحلة الأخيرة حيث التغيرات الكبيرة
والمتسارعة، التي كان لها آثار واضحة في
حياة البشر كأفراد و كمجتمعات .
وبما أنّ الأنثروبولوجيا
تهتمّ بدراسة الإنسان، شأنها في ذلك شأن العلوم الإنسانية الأخرى، فهي ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع الإنساني الذي
توجد فيه، حيث تعكس بنيته الأساسية والقيم
السائدة فيه، وتخدم بالتالي مصالحه في التحسين والتطوير .
ثمّة من يردّ بدايات تاريخ
الأنثروبولوجيا إلى العصور القديمة، إلاّ أنّ الأنثروبولوجيين الغربيين، ولا سيّما
الأوروبيون، يرون أنّ الأصول النظرية الأساسية لعلم الأنثروبولوجيا، ظهرت إبّان
عصر التنوير في أوروبا (عصر النهضة الأوروبية )، حيث تمّت كشوفات جغرافية وثقافية
لا يستهان بها، لبلاد ومجتمعات مختلفة خارج القارة الأوربية .
وقد
قدّمت هذه الكشوفات معلومات هامة عن الشعوب
القاطنة في تلك البلاد، أدّت إلى تغيّرات جذرية في الاتجاهات الفلسفية
السائدة آنذاك، عن حياة البشر وطبيعة المجتمعات الإنسانية وثقافاتها وتطوّرها.
وهذا ما أدّى بالتالي إلى تطوير المعرفة الأنثروبولوجيّة، واستقلالها فيما بعد عن
دائرة الفلسفة الاجتماعية .
لقد انحسرت الفلسفة – إلى حدّ
ما – في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أمام التفكير العلمي، حيث تطوّرت العلوم
الاجتماعية واستطاع العالم البريطاني / إدوارد تايلورE. Tylor / أن يرى في تنوّع أساليب حياة الشعوب
وتطوّرها، ظاهرة جديرة بالدراسة، وأنّ
علماّ جديداً يجب أن ينشأ ويقوم
بهذه المهمّة. وسمّى تايلور هذه الظاهرة بـ" الثقافة Culture أو الحضارة Civilization " .
ومع دخول الأنثروبولوجيا مجال القرن العشرين، بأحداثه وتغيّراته العلمية
والاجتماعية والسياسية، طرأت عليها
تغيّرات جوهرية في موضوعها ومنهج دراستها، حيث تخلّت عن المنهج النظري وأخذت
بالمنهج التطبيقي باعتبارها ظاهرة علميّة، إضافة إلى تحديد علاقة التأثير
والتأثّر بينها وبين منظومة العلوم
الاجتماعية والإنسانية الأخرى. حيث أصبحت النظرة الشاملة تميّز المنهج
الأنثروبولوجي، الذي يتطلّب دراسة أي موضوع – مهما كانت طبيعته وأهدافه- دراسة
كليّة متكاملة، تحيط بأبعاده المختلفة، وبتلك التفاعلات المتبادلة بين أبعاد هذا
الموضوع وجوانب الحياة الأخرى السائدة في المجتمع
.
و من فروع الانثروبولوجيا:
الانثروبولوجيا العضوية (الطبيعية).
تعرّف بوجه عام، بأنّها العلم
الذي يبحث في شكل الإنسان من حيث سماته العضوية، والتغيّرات التي تطرأ عليها بفعل
المورّثات. كما يبحث في السلالات الإنسانية، من حيث الأنواع البشرية وخصائصها،
بمعزل عن ثقافة كلّ منها. وهذا يعني أنّ
الأنثروبولوجيا العضوية، تتركّز حول دراسة الإنسان / الفرد بوصفه نتاجاً لعملية
عضوية، ومن ثمّ دراسة التجمعّات البشرية / السكانية، وتحليل خصائصها.
الانثروبولوجيا الثقافية.
تعرّف الأنثروبولوجيا
الثقافية -بوجه عام - بأنّها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو عضو في
مجتمع لـه ثقافة معيّنة. وعلى هذا الإنسان
أن يمارس سلوكاً يتوافق مع سلوك الأفراد
في المجتمع (الجماعة) المحيط به، يتحلّى بقيمه وعاداته ويدين بنظامه ويتحدّث
بلغة قومه .
ولذلك، فإنّ الأنثروبولوجيا الثقافية :هي ذلك
العلم الذي يهتمّ بدراسة الثقافة الإنسانية، ويعنى بدراسة أساليب حياة الإنسان
وسلوكاته النابعة من ثقافته. وهي تدرس الشعوب القديمة، كما تدرس الشعوب المعاصرة.
الانثروبولوجيا الاجتماعية.
تعرّف الأنثروبولوجيا
الاجتماعية بأنّها : دراسة السلوك الاجتماعي الذي يتّخذ في العادة شكل نظم
اجتماعية كالعائلة، ونسق القرابة، والتنظيم السياسي، والإجراءات القانونية،
والعبادات الدينية، وغيرها. كما تدرس العلاقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات
المعاصرة أو في المجتمعات التاريخية، التي يوجد لدينا عنها معلومات مناسبة من هذا
النوع، يمكن معها القيام بمثل هذه الدراسات.
ولذلك، فمن الضروري في دراسة
الإنسان وأعماله، أن نميّز بين عبارة " ثقافة " وعبارة " مجتمع
" المرافقة لها. فالثقافة – كما في تعريفاتها – هي طريقة حياة شعب ما، أمّا
المجتمع فهو تكتّل منظّم لعدد من الأفراد،
يتفاعلون فيما بينهم ويتبعون طريقة حياة معيّنة .. وبعبارة أبسط : المجتمع مؤلّف
من أناس، وطريقة سلوكهم هي ثقافتهم .
بعد هذه الدراسة التحليلية
للأنثروبولوجيا توصلنا إلى مجموعة من الاستنتاجات التي يمكن إيجازها في ما يلي:
1.
إن الأنثروبولوجيا لم تولد و لم تتشكل دفعة واحدة، بل هي
تراكم متواصل و مستمر من المعارف الإنسانية المختلفة.
2.
بالرغم من إن الأنثروبولوجيا احتفظت بالتعريف نفسه إلا
أن موضوعاتها اختلفت و تميزت بحسب العصور ووفاقا للموضوعات المدروسة و المعالجة.
3.
إن الأنثروبولوجيا ليست علما مستقلا، بل هي تداخل بين
عدة علوم و معارف.
4.
و هذا ما نتج عنه الكثير من الفروع الأنثروبولوجية،
كالانثروبولوجيا العضوية، الثقافية، الاجتماعية ........
5.
إن هذه الفروع بدورها تؤسس الكثير من المدارس
الأنثروبولوجية كالمدرسة البنيوية، الانتشارية، الوظيفية، و البنائية الوظيفية،
التطورية و الاجتماعية الثقافية.
6.
و مما زاد من حيوية الانثروبولوجيا و دقتها هو اعتمادها
على البحث الميداني أو الحقلي كأداة لإثبات صحة نظرياتها.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire